لا شك أن تحقيق أكبر قدر من الأرباح هو الغاية الرئيسية التي تدفع المستثمرين للمخاطرة بأموالهم في أسواق المال عوضًا عن استثمارها في مصادر مضمونة العوائد؛ مثل وضع أموالهم ودائع في البنوك. ومن هنا يُقدم المستثمرون الراغبون في تحقيق عوائد أكبر على تحمل مخاطر الأسواق المالية بأنواعها، ومن بينها احتمالية التعرض للخسارة.

في هذا المقال سنتعرف على مخاطر الأسواق المالية بمختلف أنواعها. وسنبدأ أولًا بتعريف مخاطر الأسواق باعتبارها أحد العوامل المؤثرة في الاستثمار. وبعد ذلك سنتعرف بالتفصيل على مخاطر الأسواق المالية وأنواعها المختلفة. وأخيرًا سنلقي الضوء على أفضل استراتيجية للحد من هذه المخاطر.

ولكن في البداية دعونا نلقي نظرة سريعة على تعريف مخاطر السوق.

ما هي مخاطر الأسواق المالية ؟

مخاطر الأسواق المالية Financial Markets Risk: هي احتمال تعرض فرد أو كيان لخسائر بسبب عوامل تؤثر على الأداء العام للاستثمارات في الأسواق المالية. وتشمل مصادر مخاطر السوق حالات الركود الاقتصادي والاضطرابات السياسية والتغيرات في أسعار الفائدة والكوارث الطبيعية، وغير ذلك.

وبطبيعة الحال، فإن هذه المخاطر تلقي بظلالها على الأسواق بشكل عام. علاوة على ذلك، ففي حين أن بعض المخاطر يمكن أن تتعلق بشركة واحدة فقط، فإن البعض الآخر قد يتعلق بصناعات أو قطاعات محددة، أو حتى اقتصادات بأكملها.

ونظرًا لأن المخاطر تؤثر على السوق بالكامل، فإنه يكون من الصعب التنبؤ بها على وجه اليقين. غير أنه يمكن التحوط منها بأساليب مختلفة استنادًا إلى حجم الاستثمارات والبيئة الاقتصادية السائدة.

ومع ذلك، قد يفشل المستثمرون في جني العوائد المتوقعة على استثماراتهم بالرغم من التطبيق الصارم للتحليل الأساسي والفني على خيار الاستثمار المحدد، وذلك لأسباب مختلفة، من أهمها طبيعة المستثمر نفسه.

مخاطر الأسواق المالية

شكل رقم (1): مخاطر الأسواق المالية

وفي هذا الإطار علينا أن نشير أولًا إلى أن هناك ثلاثة أنواع من المستثمرين:

  • المستثمر المتحفظ؛ الذي لا يرغب في تحمل مخاطر كبيرة؛ ولهذا فهو يكتفي بالقليل من الأرباح المضمونة.
  • المستثمر المعتدل؛ الذي يرغب في تحمل قدر متوسط من المخاطر في سبيل تحقيق قدر متوسط من الأرباح والمكاسب.
  • المستثمر المخاطر؛ الذي يمكنه تحمل درجة كبيرة من المخاطر في سبيل تعظيم أرباحه.

وبالرغم من ذلك، ومن أجل قياس مخاطر السوق، يمكن طرح نسبة الخلو من المخاطرة من العائد المتوقع على الاستثمار. هذه المعادلة البسيطة -الموضحة في الشكل أدناه- من شأنها أن تخبرنا بحجم المخاطرة التي يتحملها المستثمر في سوق أو صناعة ما.

ومن أجل قياس مخاطر الأسواق المالية، يمكننا استخدام المعادلة كما في الشكل أدناه:

كيفية تقدير مخاطر الأسواق المالية

شكل رقم (2): كيفية تقدير مخاطر الأسواق المالية

نستعرض الآن عددًا من مخاطر الأسواق المالية التي تواجه المستثمرين.

مخاطر الأسواق المالية

فيما يلي سنستعرض أبرز المخاطر التي قد تواجه المستثمرين في الأسواق المالية:

1- مخاطر السوق Market risk

وتندرج تحت المخاطر العامة، حيث يتعلق هذا النوع من المخاطر بمدى تأثير التطورات الاقتصادية والأحداث الهامة محليًّا أو إقليميًّا أو عالميًّا التي يمر بها بلد أو منطقة على السوق بأكمله. ومن ثم قد تؤثر على حجم الاستثمارات.

ونظرًا لأن الأصول الحقيقية من سلع وخدمات تباع في الأسواق، فإنها قد تتعرض للنقص في قيمتها بفعل عوامل العرض والطلب، أو بفعل السياسات الاقتصادية الحكومية، وغيرها من عوامل السوق.

2- مخاطر التضخم Inflation Risk

هي المخاطر الناتجة عن احتمال حدوث انخفاض القوة الشرائية للتدفقات النقدية؛ نظرًا لعدم مواكبة قيمة الاستثمار لمعدلات التضخم. ويكون حجم المخاطر كبيرًا في حالة الاستثمارات التي تحمل معدل فائدة ثابتًا. في هذه الحالة يجد المستثمر أن معدل التضخم أعلى من معدل ارتفاع أسهمه.

ومن هنا يتعين توجيه الاستثمارات نحو الأوراق المالية الأكثر ربحية، حتى وإن استلزم الأمر تحمل مخاطر كبيرة لتغطية نسبة ارتفاع معدل التضخم.

3- مخاطر الائتمان Credit Risk

وتعتبر من أكبر مخاطر الأسواق المالية على الإطلاق. وتشير مخاطر الائتمان باختصار إلى احتمالية عدم قدرة الشركة أو الكيان على الوفاء بالالتزامات التعاقدية مع المستثمرين أو المقرضين في مواعيد استحقاقها.

على سبيل المثال، حيث قد تتعرض الجهة المقرضة لمشاكل مالية تجعلها غير قادرة على دفع العائد أو سداد رأس المال عند الاستحقاق.

الجهات المقرضة قد تكون:

  • الحكومة: وتتمثل في أذونات الخزانة الحكومية، وفي هذه الحالة تكون الحكومة الضامن الأساسي للسداد؛ ومن ثم تقل حجم المخاطرة.
  • الشركة المصدرة للسندات.

والجدير بالذكر أن مخاطر الائتمان تنقسم إلى ثلاثة أنواع، هي:

  • مخاطر التخلف عن سداد الائتمان Credit Default Risk.
  • مخاطر التركيز Concentration Risk التي سنتحدث عنها لاحقًا.
  • مخاطر البلد Country Risk، وهي المخاطر التي تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والسياسية للبلدان التي يتم ضخ الاستثمارات فيها.

4- مخاطر الأسواق المالية المتعلقة بسعر الفائدة Interest Rate Risk

يجب الإشارة إلى أن سعر أو معدل الفائدة من العوامل الرئيسية المؤثرة على سعر الأوراق المالية وخاصة السندات. تفسير ذلك هو أن أسعار الأوراق المالية تميل للتحرك في اتجاه معاكس للتغيرات في أسعار الفائدة، وهنا يكمن الخطر. فمع زيادة أسعار الفائدة ينخفض سعر السهم أو الورقة المالية، وهو ما سيتبعه بطبيعة الحال تراجع الطلب على السندات ذات العائد المنخفض.

ويعرف هذا النوع من المخاطر بأنه “المخاطر الناجمة عن حدوث اختلافات بين معدل العائد المتوقع ومعدل العائد الفعلي”.

5- مخاطر الاستثمار Investment Risk

رغم المزايا الكثيرة التي تتضمنها عملية الاستثمار، خاصًة في السندات الحكومية ذات العائد الثابت، فإن المستثمر يكون معرضًا لاحتمالية خسارة أمواله.

6- مخاطر السيولة Liquidity Risk

وهي تلك المخاطر التي ترتبط بعدم قدرة المستثمر على بيع أسهمه، أو سنداته، وتحويلها إلى سيولة نقدية بسهولة دون تحمله خسارة سواء في العائد أو رأس المال؛ نتيجة لعدم وجود طلب عليها.

وبشكل عام، كلما طال أجل السند ازدادت هذه المخاطر، وبالتأكيد تعتبر مخاطر السيولة من أهم مخاطر الأسواق المالية.

7- مخاطر اجتماعية / سياسية / تشريعية Social /Political/ Legislative Risk

والمقصود بها تلك المخاطر الناجمة عن التغيير في التشريعات أو السياسات الحكومية، أو عن حالة عدم استقرار في الدولة أو تغير في سياستها الخارجية. وبطبيعة الحال، يمكن أن يكون لهذه التغيرات تأثيرات سلبية على أسواق المال، مثل فقدان الأوراق المالية قيمتها في السوق.

8- مخاطر الأسواق المالية المرتبطة بأسعار الصرف Exchange Rate/ Currency Risk

تنشأ هذه المخاطر نتيجة لتقلبات سعر صرف العملات في حالة شراء أوراق مالية بعملة أجنبية وانخفاض سعر تلك العملة. وقد يترتب على ذلك تراجع أو خسارة في قيمة الورقة المالية بمقدار انخفاض سعر العملة الأجنبية مقابل العملة الوطنية.

9- مخاطر إعادة الاستثمار Reinvestment Risk

قد تنشأ هذه المخاطر في حالة رغبة المستثمرين، مثل حَمَلَة السندات، في إعادة استثمار العائد بعد استرداده. ففي حالة التراجع فإن ثبات أسعار الفائدة سيتسبب في تراجع التدفقات النقدية للاستثمار عندما يتم إعادة استثمار مدفوعات رأس المال.

وهذا الأمر من شأنه أن يفوت على المستثمر حامل هذه السندات فرصة الحصول على معدلات فائدة للسندات أكبر من معدلات الفائدة السوقية.

10- مخاطر الاستثمار الأجنبي Foreign Investment Risk

هي مخاطر ناجمة عن الاستثمار في شركات أجنبية، وتكون هذه الاستثمارات هي الأكثر تأثرًا بتقلبات الاقتصاد العالمي، وتنطوي على خطورة أكبر مِن الفرص المحلية. ولكن، وفي الوقت نفسه تكون عوائدها أكبر، وهو ما يدفع المستثمرين لقبول الاستثمارات المتوسطة المدى والأقل مخاطرة.

ولا شك أن أكبر مثال على ذلك ما تعرض له المستثمرون في الأسواق العالمية خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

11- مخاطر التركيز أو عدم تنويع الاستثمارات Concentration Risk

ترتبط هذه المخاطر بتركيز الأموال على استثمار بعينه؛ ومن ثم يكون حجم المخاطرة أكبر. وبالتالي يمكن تعريفها بأنها تلك المخاطر الائتمانية الناجمة عن عدم وجود محفظة ائتمانية جيدة التنوع، وتعبر عن مخاطر الاعتماد على أداة استثمارية واحدة، أو التعرض المفرط لعميل بعينه أو قطاع صناعي أو إقليم جغرافي معين، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة مخاطر التعثر أو حتى خسارة في رأس المال.

وبشكل عام، كلما كانت المحفظة الاستثمارية أقل تنوعًا كانت أكثر عرضة لمخاطر الأسواق المالية.

الشكل التالي يلخص لنا مختلف أنواع المخاطر التي قد تواجه المستثمرين في الأسواق المالية:

أبرز مخاطر الأسواق المالية

شكل رقم (3): أبرز مخاطر الأسواق المالية

استراتيجية تنويع المحفظة الاستثمارية لتقليل مخاطر الأسواق المالية

يلجأ العديد من المستثمرين إلى استراتيجية تنويع المحفظة الاستثمارية، التي تعني توزيع الأموال على عدد من أدوات وقنوات الاستثمار، بدلاً من استثمارها كلها في شركة أو في مجال واحد. وإذا أجاد المستثمر سياسة تنويع استثماراته، فإنه سيتمكن من:

  • تقليل مقدار المخاطر التي من المحتمل أن يتعرض لها.
  • زيادة احتمالات تعويض أي خسائر في أوراق مالية ما، بالمكسب المحقق في أوراق مالية أخرى.

وتعتمد سياسة التنويع في أسواق المال على توزيع الاستثمارات على مجموعة مختلفة من الأوراق المالية مثل: الأسهم، والسندات، ووثائق صناديق الاستثمار. كما يمكن التنويع بداخل مجموعة الأسهم؛ بحيث يتم توزيع الاموال المستثمرة من خلال شراء أسهم من مختلف القطاعات الاقتصادية.

ولتحقيق أقصى فائدة من التنويع، فإنه لابد أن يتم الجمع بين الأسهم ذات درجة المخاطر العالية، والأسهم منخفضة المخاطر، بما يحقق التحوط ضد مخاطر الأسواق المالية بشكل عام.

وأخيرًا، ستظل بطبيعة الحال الرغبة في تحقيق أكبر قدر من الأرباح هي الهدف الذي من أجله يقرر المستثمر تحمل مخاطر الأسواق المالية. وتتعدد أشكال هذه المخاطر، فبعضها يندرج تحت اسم المخاطر العامة أو مخاطر السوق، وترتبط بأوضاع سياسية واجتماعية تشهدها الدولة أو أوضاع عالمية من شأنها التأثير على أسواق المال، كما أنها قد تؤثر على أحجام الاستثمارات.

الملخص

  • تعرفنا في هذا المقال على مخاطر الأسواق المالية بشكل مفصل. وتتنوع هذه المخاطر وتختلف في طبيعتها ومصادرها من بيئة اقتصادية إلى أخرى.
  • وفي هذا السياق قد تنجم بعض هذه المخاطر عن التغير في التشريعات أو السياسات الحكومية.
  • كما قد تنجم عن حالة عدم استقرار في الدولة أو تغير في سياستها الخارجية. ومثل هذه التغيرات قد تؤثر بشكل سلبي على أسواق المال.
  • وترتبط المخاطر أحيانًا بانخفاض القيمة الشرائية للنقود أو ما تسمى “مخاطر التضخم”. وينجم عنها انخفاض في قيمة الاستثمارات في أسواق المال مع ثبات معدل الفائدة.
  • ومن هنا يجب الإشارة إلى أن سعر الفائدة من أهم العوامل المؤثرة على أسواق المال. وبشكل عام، تميل أسعار الأوراق المالية للتحرك في اتجاه معاكس للتغيرات في أسعار الفائدة.
  • ومع زيادة أسعار الفائدة ينخفض سعر السهم أو الورقة المالية ويتراجع الطلب؛ وهوٍ ما يمثل خطرًا على حجم الاستثمارات.
  • كما أن تعرض بعض الجهات المقرضة لمشاكل في توفير الأموال أو الائتمان، فإنها تصبح غير قادرة على دفع العائد أو سداد رأس المال للمقترضين عند الاستحقاق. كما قد يواجه المستثمرون عقبات عند بيع أسهمهم أو سنداتهم دون تحمل خسارة سواء في العائد أو رأس المال؛ نتيجة لعدم وجود طلب عليها، وهو ما يسمى بمشاكل السيولة
  • كذلك، قد تنجم بعض مخاطر الأسواق المالية عن الاستثمار في شركات أجنبية؛ ومن هنا تتأثر هذه الاستثمارات بتقلبات الاقتصاد العالمي. وقد يتجه بعض المستثمرين لشراء أوراق مالية بعملة أجنبية؛ لتتأثر استثماراتهم بتقلبات أسعار صرف العملات.
  • وبناءً على ذلك، فإن المستثمرين  يحاولون تقليل حجم المخاطرة ومقدار الخسائر التي قد يتعرضون لها قدر الإمكان. ويتم ذلك عن طريق تنويع الاستثمارات؛ والتي تعني توزيع الأموال على عدد من أدوات وقنوات الاستثمار المختلفة، بدلاً من استثمارها كلها في شركة أو مجال واحد.
  • ولتحقيق أقصى فائدة من التنويع، فإنه لابد أن يتم الجمع بين الأسهم ذات درجة المخاطر العالية، والأسهم منخفضة المخاطر.

للمزيد من المقالات ذات الصلة، يرجى متابعة موقع بورصات.