تُعد الأسواق المالية بمثابة النبض لأيِّ اقتصاد؛ حيث تعكس حركة الأسواق المالية توقعات المستثمرين والأفراد بالنسبة لمستقبل اقتصاد ما. وبطبيعة الحال تسود حالات من التفاؤل أو التشاؤم تجاه أي اقتصاد بناءً على توقعات وتحليلات الوضع العام لهذا الاقتصاد. وفي السياق ذاته، لا يمكن الحديث عن الأسواق المالية دون النظر إلى مخاطرها، حيث إنَّ مخاطرَ الأسواقِ الماليةِ هي جزءٌ أساسيٌّ من ديناميكية هذه الأسواق. وفى حين يمكن أن تتعلق بعض أنواع هذه المخاطر بشركة محددة أو قطاع محدد، فإنَّ بعضها الآخر قد يؤثر في الأسواق المالية بأسرها. تنشأ مخاطر الأسواق المالية عادة بسبب عدم اليقين المرتبط بأي قرار استثماري. وبالتالي، من المهم بالنسبة للمستثمر أن يراقب المتغيرات الكلية المختلفة المرتبطة بالأسواق المالية، مثل التضخم، وأسعار الفائدة، وميزان المدفوعات، والعجز المالي، والعوامل الجيوسياسية، وما إلى ذلك.

في هذا المقال سوف نلقي نظرة علَى مخاطر الأسواق المالية. وسنبدأ بتعريف هذه المخاطر، ومن ثم سننتقل بالحديث إلى أنواعها. كما سنناقش بالتفصيل النوعين الأساسيين لمخاطر الأسواق المالية، مع إلقاء نظرة على طبيعة هذه المخاطر وأسبابها وكيفية تجنبها.

ما هي مخاطر الأسواق المالية؟

المخاطرة Risk مصطلحٌ شائع في عالم الاستثمار، ولكنه لا يُحدد -دائمًا- بشكل واضح. ومع ذلك، يمكن تعريف مخاطر الأسواق المالية Risks of Financial Markets بأنها احتمال تعرض فرد أو كيان ما لخسائر أو أضرار ناجمة عن عوامل تؤثر على الأداء العام للاستثمارات في الأسواق المالية. وبالتالي يمكن الإشارة إلى أي عمل أو نشاط قد يؤدي إلى الخسارة بأنه يشتمل على مخاطر.

ومع ذلك، يمكن أنْ يختلف مفهوم المخاطر حسب فئة الأصول أو السوق المالية. وتشمل قائمة المخاطر: مخاطر التخلف عن السداد، ومخاطر الطرف المقابل في الصفقات التي تتم في الأسواق المالية، ومخاطر التقلب في الأسعار. كما تتنوع المخاطر بحسب مدى تأثيرها، ففي حين أنَّ بعض المخاطر قد تتعلق بشركة واحدة فقط، فإن بعضها الآخر قد يشمل صناعات أو قطاعات محددة أو حتى اقتصادات بأكملها.

وبشكل عام، هناك أخطار أخرى ترتبط بالأسواق المالية، وسوف نستعرضها على النحو التالي:

المخاطر المرتبطة بالتداول في الأسواق المالية

[AdSense-A]

يعتبر التداول في الأسواق المالية من أفضل أنواع الاستثمارات، إذا ما أخذنا في الاعتبار احتساب العائد علَى المدى الطويل. ويتيح لنا التداول في الأسواق المالية إمكانية الاختيار بين أسواق الأسهم أو السندات أو حتى السلع والمشتقات. ومع ذلك، وفي حين يبدو العائد جذابًا علَى المدى الطويل، فإنه لا يمكن تجاهل المخاطر التي قد تنطوي على تحقيق هذا العائد.

المخاطر النظامية والمخاطر غير النظامية

بشكل عام، يمكن تقسيم مخاطر الأسواق المالية إلى نوعين أساسيين، هما:

أ. المخاطر النظامية Systemic Risk

المخاطر النظامية أحد أنواع مخاطر الأسواق المالية، وتعني المخاطر التي تحدث وتؤثر على مجموعة من الشركات أو المؤسسات الاقتصادية، ويمكن أنْ تؤدي –بالتبعية- إلى الإضرار بصناعة أو قطاع أو اقتصاد بأكمله.

وتعد الأزمة المالية العالمية في 2007– 2008 مثالًا علَى ذلك، حيث إنَّ مجموعة من المؤسسات الاقتصادية الكبيرة أضرَّتْ النظام الماليَّ كله. وفي ذلك الحين كان لزامًا على الحكومة الأمريكية أنْ تتدخل لإنقاذ عدد من البنوك الكبرى في البلاد، والتي كانت بحاجة إلى خطة إنقاذ كي لا يتفاقم الضررُ الذي هدد المنظومة الاقتصادية الأمريكية بأكملها.

ب. المخاطر غير النظامية Non-Systemic Risk

المخاطر غير النظامية يُطلق عليها أيضًا “المخاطر المتنوعة” Diversifiable Risk. وتتعلق المخاطر غير النظامية بشركة واحدة أو قطاع محدد. وبالتالي فإن تأثيرها لا يكون شاملًا، ولا يمتد إلى كثير من الشركات أو القطاعات الأخرى.

علَى سبيل المثال، قد تواجه شركة ما مخاطر خسائر كبيرة بسبب الإجراءات القانونية التي قد تتعرض لها، كأن تتعرض لعقوبات أو غرامات كبيرة. وإذا كان الأمر كذلك، فقد تكون أسهم هذه الشركة عرضة للمخاطر المتعلقة بالجوانب القانونية والتنظيمية. وغالبًا ما تنهار قيمة هذه الأسهم في الأسواق المالية، خاصة إذا صدرت عقوبة مباشرة أو حكم بحق الشركة. ورغم ذلك، يبقى تأثير هذا الخطر قاصرًا على الشركة فقط، ولا يمتد إلى قطاع أو صناعة بأكملها. ولهذا السبب يقال إنَّ تنويع المحفظة الاستثمارية هو أفضل طريقة لتفادي المخاطر غير النظامية.

يمكن أنْ تحدث المخاطر غير النظامية أيضًا بسبب تعرض الشركة أو القطاع لمؤثر خارجيٍّ لا يمكن التعامل معه بالصورة المعتادة. على سبيل المثال، عند حدوث نقص في المواد الخام لقطاع صناعي معين. في هذه الحالة قد يتأثر القطاع بأكمله، غير أن هذا التأثير لا يمتد ليشمل الاقتصاد كله.

الفارق الأساسي في التعامل مع المخاطر النظامية والمخاطر غير النظامية

بما أنَّ المخاطرَ النظاميةَ تكون في معظم الأحيان مخاطر عامة، مثل تفشي وباء كورونا – الذي بدأ انتشاره في عام 2020 – فإنها قد تؤثر علَى العديد من الشركات والقطاعات. في هذه الحالة لا يمكنك بصفتك مستثمرًا في أسواق المال التعامل مع هذا الخطر (الوباء)، الذي يعد أحد مخاطر الأسواق المالية؛ ذلك لأنَّ الخطرَ عامٌّ، ولا يمكن التخلص كليَّا من تأثيراته، وبالتالي يكون من الصعب تفادي هذا الخطر.

وعلى الجانب الآخر، فإن المخاطر غير النظامية تكون محدودة التأثير، فتأثيرها قاصر علَى شركة معينة أو قطاع معين. وبالتالي لا يمتد تأثيرها إلى قطاعات أخرى. وبشكل عام، يمكن التعامل مع المخاطر غير النظامية عن طريق التنويع في المحفظة الاستثمارية لتشمل أكثر من قطاع.

خطر الخسارة

يعتبر احتمال خسارة رأس المال أو جزء منه من أهم مخاطر الأسواق المالية المرتبطة بالتداول فيها. وهناك أسباب عديدة تزيد من تعرض المستثمرين أو الكيانات لخطر الخسارة، من أبرزها:

  • الأحداث الطبيعية والسياسية والاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر على أسواق المال. على سبيل المثال، قد تؤثر الكوارث الطبيعية على حركة أسواق المال واتجاهاتها، ما يؤدي إلى الخسارة. والأمر نفسه بالنسبة للاضطرابات السياسية في دولة أو منطقة ما. وكذلك، الأحداث الاقتصادية المهمة، مثل بيانات أسعار الفائدة، ومعدلات البطالة، وغير ذلك. وكلها تؤثر على الأسواق المالية وقد تؤدي إلى التعرض إلى خطر الخسارة.
  • افتقار المستثمر أو المتداول الخبرةَ اللازمة للتداول في الأسواق المالية. فهناك كثير من المستثمرين أو المتداولين ليست لديهم الخبرة الكافية للتداول في أسواق المال، الأمر الذي يُعرضهم بشكل مباشر وقوي لخطر خسارة رؤوس أموالهم.

ولذلك، يحتاج المستثمر أو المتداول إلى اتباع استراتيجية تداول جيدة وتطويرها بما يتناسب مع ظروف الأسواق. وبالمثل، يجب الاهتمام بإدارة رأس المال Money Management، والدخول في صفقات وفقًا لنسبة العائد/ المخاطرة المُدرجة في خطة التداول التي يحددها المستثمر أو المتداول لنفسه.

ويمكن القول إن خطر الخسارة يُعد من أكبر مخاطر الأسواق المالية علَى الإطلاق؛ ذلك لأنه عندما يفقد المستثمر رأس ماله، فسوف يحتاج إلى رأس مال جديد، ورحلة جديدة لمحاولة استعادة رأس المال الذي خسره سابقًا، وهو ما يجعله يُعاني ضغطًا نفسيًّا وعصبيًّا هائلًا. ولذلك، يجب دائمًا توخي الحذر عند التداول في أسواق المال، عن طريق الانضباط في التداول، والتحلي بالاتزان العقليِّ والنفسيِّ، وعدم التأثر بالمشاعر، خاصة المشاعر السلبية (مثل الخوف والطمع). والأكثر أهمية من كل ذلك ضرورة التسلح بالعلم والمعرفة لزيادة القدرة علَى التعامل مع الأسواق في مختلف ظروفها.

مخاطر تقلبات الأسواق المالية

تُعد المخاطر المرتبطة بالتقلب Volatility من أهم مخاطر الأسواق المالية. والتقلب هو سرعة الحركة في تغير سعر الأصل، ويشير مستوى التقلب العالي إلى تحركات أكبر وتغيرات أوسع في قيمة الأصل.

يمكن أن تفقد الأسهم جزءًا كبيرًا من قيمتها بسبب عوامل التقلب، وهذا يعني أنَّ الاستثمار فيها يمثل مخاطرة واضحة. لذلك، يجب علَى كل مستثمر أنْ يوازن بين نسبة العائد إلى المخاطرة قبل اتخاذ أيِّ قرار استثماريٍّ. والمقصود من ذلك هو الموازنة بين العائد الذي سيحققه من هذا الاستثمار، قياسًا بالمخاطر التي قد يتعرض لها نتيجة لهذا الاستثمار.

للأصول ذات التقلب العالي احتمال متساوٍ في التحرك صعودًا وهبوطًا (أي هناك احتمال أكبر لتحركها في أي اتجاه). هذا يعني أنَّ تأثيرها غالبًا ما يكون أكبر علَى قيمة المحفظة. وبينما يُفضل بعض المستثمرين الأصول ذات التقلبات العالية، فإنَّ بعضهم الآخر يسعى إلى تجنبها قدر الإمكان. وفي كلتا الحالتين، يعتبر التنويع في المحفظة الاستثمارية أحد أهم أدوات التحوط ضد التقلبات العالية، وبشكل عام ضد المخاطر النظامية والمخاطر غير النظامية. على سبيل المثال، عندما ينتشر وباءٌ ما وينجح قطاعُ الصحةِ في التعامل معه من خلال ابتكار دواءٍ أو لقاح جديدٍ فإنَّه يمكن أنْ ترتفع أسهم الأدوية، وستنخفض في مقابلها أسهمٌ أخرى؛ ولهذا يجب التنويع في المحفظة للتعامل مع هذه المخاطر.

وإجمالًا، تنطوي الأوراق المالية ذات التقلب العالي علَى مخاطر أكبر في الأسواق المالية؛ لأنها قد تتسبب في خسائرَ أكبر من الأصول ذات التقلبات المنخفضة.

يمكننا النظر إلى مفهوم التقلب من منظور العائد إلى المخاطرة؛ فكما هو معلوم كلما ازداد العائد ازدادت المخاطرةُ. ومن ثَمَّ، فإنَّ حجمَ المخاطرة، التي يقرر المتداول في الأسواق المالية التعرض لها يعتمد علَى مستوى العائد المرجو من هذا الاستثمار.

مخاطر إخلال الطرف المقابل بتعهداته

إن مخاطر إخلال الطرف المقابل بتعهداته Counterparty Risk تُعد أيضًا من أبرز مخاطر الأسواق المالية. السبب في ذلك أنه في حال إخلال أحد أطراف العقد بالاتفاق، يكون الطرف المقابل مُعرضًا لخسائر متنوعة، مثلما يحدث في حال العجز عن سداد الائتمان، أو التخلف عن سداد مقايضات الائتمان Credit swaps. تمثل مقايضات الائتمان تبادل التدفقات النقدية بين طرفين، وتستند عادة إلى التغيرات في أسعار الفائدة الأساسية Interest Rates. والجدير بالذكر أن التخلف عن سداد الطرف المقابل في اتفاقات المقايضة كان أحد الأسباب الرئيسية للأزمة المالية في عام 2008.

يمكن أن تكون مخاطر الطرف المقابل عاملًا أساسيًّا عند التعامل مع المشتقات الأخرى، مثل: الخيارات Options ، والعقود الآجلة Futures Contracts. ومع ذلك، فإن غرفة المقاصة عادة ما تضمن استيفاء شروط العقد إذا واجه أحد الطرفين مشاكل مالية. ولكن، وبشكل عام، يمكن أن تؤثر مخاطر إخلال الطرف المقابل بتعهداته علَى السندات أو معاملات التداول، أو أي أداة يعتمد فيها أحد الطرفين علَى الآخر، في الوفاء بالالتزامات المالية.

مخاطر السندات

هناك نوع آخر من أنواع مخاطر الأسواق المالية، وهي مخاطر السندات Bonds Risk، وتنقسم المخاطر المتعلقة بسوق السندات إلى نوعين:

أ. مخاطر التخلف عن السداد Default Risk

وتتمثل هذه المخاطر في احتمالية تخلف المقترض عن سداد التزاماته للمُقرض (الجهة المقرضة)، والمتعلقة بجدولة سداد القرض (السند). هذا يعني أن المقترض قد لا يتمكن من دفع المبالغ المستحقة في موعدها.

وبشكل عام، فإن إمكانية التخلف عن السداد تؤدي إلى زيادة مقدار الفائدة المدفوعة علَى السند. وبناءً على ذلك، فهناك نسبة عائد/ مخاطرة يجب علَى المستثمرين مراعاتها عند النظر في العوائد علَى السندات.

ب. مخاطر أسعار الفائدة Interest Rate Risk

تُشير مخاطر أسعار الفائدة إلى الخسائر المحتملة في الاستثمار بسبب تغيرات أسعار الفائدة، وهو الأكثر شيوعًا عند الاستثمار في السندات. ومن المعروف في سوق السندات أن ​​سعر السند ينخفض عادةً مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ ذلك لأنَّ السندات تدفع نسبة مئوية ثابتة. ومع ارتفاع أسعار الفائدة، يجب أنْ تتنافس السندات الحالية مع السندات الجديدة التي ستصدر بأسعار فائدة أعلى وأكثر جاذبية. لكي يتم تحقيق ذلك، فإنَّه يجب أنْ ينخفض ​​سعرُ السندات القديمة. ومن هذا المنطلق يمثل الاحتفاظ المفرط بالسندات القديمة واحدًا من مخاطر الأسواق المالية، خاصة مع ارتفاع أسعار الفائدة.

الخلاصةُ

  • مخاطر الأسواق المالية: هي احتمال تعرض فرد أو كيان ما لخسائر أو أضرار ناجمة عن عوامل تؤثر على الأداء العام للاستثمارات في الأسواق المالية.
  • المخاطر النظامية والمخاطر غير النظامية:

أ. المخاطر النظامية: يقصد بها المخاطر التي تحدث وتؤثر على مجموعة من الشركات أو المؤسسات الاقتصادية، ويمكن أنْ تؤدي –بالتبعية- إلى الإضرار بصناعة أو قطاع أو اقتصاد بأكمله.

ب. المخاطر غير النظامية: هي المخاطر المتعلقة بشركة واحدة أو قطاع محدد. وبالتالي فإن تأثيرها لا يكون شاملًا، ولا يمتد بالضرورة إلى كثير من الشركات أو القطاعات الأخر.

  • خطر الخسارة: يُشير إلى احتمال تعرض الأفراد أو الكيانات لمخاطر خسارة رأس المال في التداول.
  • مخاطر تقلبات الأسواق المالية: هي المخاطر التي تنتج عن سرعة التقلبات في حركة أسعار الأوراق المالية.
  • مخاطر إخلال الطرف المقابل بتعهداته: وتشير إلى إمكانية إخلال أحد أطراف العقد عن الاتفاق، الأمر الذي يُعرض الطرف المقابل لخسائر متنوعة.
  • مخاطر السندات: هي تلك المخاطر المرتبطة بسوق السندات، وتنقسم إلى قسمين:

أ. مخاطر التخلف عن السداد: احتمالية تخلف المقترض عن سداد التزاماته للمُقرض (الجهة المقرضة).

ب. مخاطر أسعار الفائدة: التي تشير إلى المخاطر التي يتعرض لها حاملو السندات بسبب التغيرات في أسعار الفائدة، التي تؤثر بدورها بشكل مباشر على قيمة السندات القديمة وعوائدها.

  • أفضل الطرق لتفادي كثير من المخاطر المتعلقة بالأسواق المالية تتمثل في تنويع المحفظة الاستثمارية، بحيث تشمل أكثر من قطاع.

للمزيد من المقالات ذات الصلة، يرجى تصفح موقع بورصات