Business is booming.

تعريف البنك المركزي ووظائفه

11٬505

عندما ننظر إلى عملة أي دولة، فإننا نُلاحظ أنها صادرة عن البنك المركزي لهذه الدولة. وبناءً على ذلك ربما نكون جميعًا على علم بأن إصدار النقود هي وظيفة البنك المركزي دون سواه. ولكن، هل تقتصر وظائف البنك المركزي على إصدار النقود فقط؟ قطعًا لا، فالبنك المركزي مؤسسة اقتصادية وطنية تمتلك صلاحيات واسعة تخولها التحكم في الهيكل النقدي والمصرفي للبلد وتنظيمه وضمان استقراره. كما أن البنك المركزي هو المسؤول عن الحفاظ على الاستقرار المالي والائتماني والسيادة الاقتصادية للبلاد. حيث يُصدر العملة، وينظم المعروض النقدي، ويتحكم في أسعار الفائدة، كما أنه يتحكم في أنشطة جميع البنوك الأخرى في الدولة ويُشرف على أدائها ومعاملاتها.

وهكذا يمكن القول إن البنك المركزي يؤدي دورًا محوريًّا في المنظومة الاقتصادية للدولة الحديثة. وذلك بالنظر إلى قيامه بدوره المنوط في عملية ضبط النظام النقدي والسياسات النقدية، ومسؤوليته عن الحفاظ على السيادة المالية والاستقرار الاقتصادي.

في هذا المقال سوف نتعرف على البنك المركزي وأهم وظائفه. وسنبدأ بتعريف البنك المركزي ومسؤولياته وأهدافه. ثم نُلقي نظرة على نشأة وتاريخ البنوك المركزية، وكيفية تطور سلطاتها وصلاحياتها في مختلف دول العالم. وكذلك سنتعرف على أبرز أدوات السياسة النقدية التي يستخدمها البنك المركزي في إدارة الشأن الاقتصادي وإصلاحه. وأخيرًا، سنتعرف –بشيء من التفصيل- على أبرز وظائف البنوك المركزية في المنظومة الاقتصادية والمالية الحديثة.

ما هو البنك المركزي؟

البنك المركزي Central Bank مؤسسة اقتصادية ذات سلطة وطنية مُستقلة. وهو المسؤول الأول عن تحقيق النمو الاقتصادي للدولة من خلال: إدارة السياسة النقدية Monetary Policy، وتنظيم البنوك والائتمان، وتوفير الخدمات المالية للدولة، وإجراء البحوث الاقتصادية. وتتمثل الأهداف الرئيسية للبنك المركزي في:

  • العمل على ضبط واستقرار العملة المحلية.
  • الحفاظ على معدلات بطالة منخفضة.
  • كبح التضخم Inflation.

يُدار البنك المركزي من قِبل مجلس إدارة يتألف من البنوك الوطنية الخاضعة لسلطته. ويعين رئيس الدولة رئيس مجلس إدارته، وهو محافظ البنك المركزي Central Bank Governor، مع تصديق الهيئات التشريعية على تعيينه. وبطبيعة الحال، يجب أن يكون هناك انسجام بين سياسات البنك المركزي مع أهداف وسياسة الدولة طويلة الأجل. وفي الوقت ذاته، يجب أن يحتفظ البنك المركزي باستقلاليته؛ ليكون بمنأى عن التأثير السياسي على قراراته وتوجهاته.

ومع ذلك، فقد اختلفت آراء الاقتصاديين على مر العصور حول تعريف البنك المركزي ودوره في الاقتصاد. على سبيل المثال، هناك من يؤكد إن للبنك المركزي وظيفتين مُحددتين، وهي أنه يُسيطر على الاقتصاد بهدف توفير النقود وتنظيم والائتمان. كذلك هناك من يُصرح بأن البنك المركزي هو المؤسسة المسؤولة عن إدارة توسيع وتقليص حجم المال في الدولة لصالح الوضع الاقتصادي العام.

وفي كل الأحوال، يلعب البنك المركزي دورًا كبيرًا في المنظومة الاقتصادية لأي دولة، ويؤثر بشكل مباشر على النمو الاقتصادي، وذلك من خلال أدوات السياسة النقدية التي يمتلكها. وفضلًا عن أن البنك المركزي هو البنك الذي كُلِّف من قِبل الدولة بواجب تنظيم حجم العملة والائتمان، فإنه أيضًا بنك التسويات الدولية وإصدار العملة وتنظيم عرض النقود، والتحكم في أسعار الفائدة. كما ينظم أيضًا أنشطة جميع البنوك الأخرى ويقوم على مراقبتها والإشراف عليها.

تاريخ البنوك المركزية

يرجع إنشاء أول بنك مركزي في التاريخ إلى القرن السابع عشر، وهو ريكسبانك Riksbank السويدي. وقد تأسس في عام 1668، باعتباره شركة مساهمة، ومُنِح الصلاحيات لإقراض الأموال الحكومية والعمل كغرفة مقاصة للتجارة.

وفي غضون عقود قليلة تأسس البنك المركزي الأشهر في ذلك الوقت، وهو بنك إنجلترا المركزي Central Bank of England، عام 1694. وقد تأسس أيضًا شركةً مساهمةً لشراء الديون الحكومية. وتلا ذلك إنشاء العديد من البنوك المركزية في مختلف الدول الأوربية لأغراض مماثلة. وتُعد هولندا، وألمانيا، وإيطاليا من أوائل الدول التي أنشأت بنوكًا مركزية في هذه المرحلة المبكرة.

والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة كانت من بين الدول التي أنشأت بنكًا مركزيًّا في هذه المرحلة المبكرة. ويرجع تاريخ إنشاء أول بنك مركزي أمريكي إلى العام 1791، تحت اسم بنك الولايات المتحدة Bank of the United States. وقد سار على نهج بنك إنجلترا المركزي نفسه، غير أنه كان يفتقد لثقة الأمريكيين، الذين رفضوا تركيز السلطة المالية في مؤسسة واحدة.

وفي عام 1800 أنشأ نابليون بنك فرنسا Banque de France لتحقيق الاستقرار في العملة بعد التضخم المفرط Hyperinflation للنقود الورقية خلال الثورة الفرنسية، وكذلك للمساعدة في التمويل الحكومي. وفي هذه المرحلة المبكرة من تاريخها، أصدرت البنوك المركزية سندات خاصة كانت بمنزلة عملات، وغالبًا ما كانت تحتكر مثل هذه الأوراق النقدية.

وبينما ساعدت هذه البنوك المركزية المبكرة في تمويل ديون الحكومة، فإنها أيضًا كانت تمثل كيانات خاصة تشارك في الأنشطة المصرفية. ولأن البنك المركزي احتفظ بودائع البنوك الأخرى، فقد أصبح بمنزلة “بنكٍ للبنوك” Bank of Banks، وذلك بالنظر لدوره في تسهيل المعاملات بين البنوك، وتقديم خدمات مصرفية أوسع من البنوك الأخرى. وما لبثت البنوك المركزية أن أصبحت مستودعات لمعظم البنوك في النظام المصرفي بسبب احتياطاتها الكبيرة، وشبكات واسعة من البنوك التابعة. كل هذه العوامل سمحت للبنوك المركزية بأن تصبح مقرض الملاذ الأخير في مواجهة الأزمات المالية. وبعبارة أخرى، أصبحت البنوك المركزية على استعداد دائم لدعم البنوك التابعة لها في أوقات الأزمات المالية.

تطور البنوك المركزية

في مطلع القرن العشرين حدثت تطورات كبيرة على وظائف البنوك المركزية في الاقتصاد. فقد توالت الأزمات الاقتصادية التي ضربت أوروبا والولايات المتحدة، ما أدى إلى فقدان ثقة الساسة والعامة في عمل البنوك المركزية. غير أن التطور الأكثر أهمية كان يتمثل في إنشاء الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي Federal Reserve في عام 1913، والذي مُنح صلاحيات واسعة بتوفير عملة أمريكية موحدة، من شأنها استيعاب الأزمات وتقلبات الدورات الاقتصادية، فضلًا عن العمل كـ “مُقرض الملاذ الأخير” Lender of Last Resort.

وبغض النظر عن مدى مسؤولية الاحتياطي الفيدرالي عن أزمة الكساد العظيم (1929 – 1939) التي ضربت أمريكا والعالم، فإن الاحتياطي الفيدرالي تولى مهمة الحفاظ على استقرار الاقتصاد الأمريكي. هذا يعني التركيز على الاستقرار الاقتصادي خارجيًّا (أي مراقبة احتياطات أمريكا من الذهب، لأن الولايات المتحدة كانت لا تزال على معيار الذهب)، والاستقرار الاقتصادي الداخلي (مراقبة الأسعار والإنتاج والتوظيف). وبمرور الوقت اتسعت دائرة سلطات الاحتياطي الفيدرالي، وأصبح بمنزلة نموذج يُحتذى به للبنك المركزي.

وبسبب الصراعات والحروب الطاحنة التي اجتاحت العالم في بدايات القرن العشرين، أُممت البنوك المركزية وفقدت سلطاتها تمامًا. ونتيجة لذلك غلب الطابع السياسي على توجهات البنوك المركزية، والتي كانت تتلقى الأوامر والتوجيهات من القيادة السياسية قبل اتخاذ أي قرار. غير أنه، وفي عام 1951، استعاد الاحتياطي الفيدرالي استقلاليته، ولكنه لم يكن استقلالًا مُطلقًا. فبموجب التشريعات الأمريكية آنذاك، كان يجب على الاحتياطي الفيدرالي أن يُقدم تقريرًا إلى الكونجرس، الذي يتمتع في النهاية بسلطة تغيير أي قانون صادر عن بنك الاحتياطي. ومع ذلك، كانت هذه الخطوة تُمثل بداية استقلال البنوك المركزية عن السلطات العامة. وبحلول عقد التسعينيات من القرن الماضي، حصلت معظم البنوك المركزية في العالم على استقلالها، وأصبحت تقوم بدورها في الاقتصاد من دون أي تأثير سياسي.

أدوات السياسة النقدية للبنك المركزي

الهدف الرئيسي للبنك المركزي –كما سبق القول- هو تحقيق النمو الاقتصادي. وفي سبيل ذلك، ومن خلال تحكمه في السيولة النقدية للمنظومة المالية، يمتلك البنك المركزي ثلاثة من أدوات السياسة النقدية:

  • أولًا: تحديد حجم الاحتياطي النقدي لدى البنوك المحلية. ويقصد به المبلغ النقدي الذي يجب أن تمتلكه البنوك الأعضاء كل ليلة. ويستخدمه البنك المركزي للتحكم في مقدار ما يمكن للبنوك إقراضه.
  • ثانيًا: استخدام عمليات السوق المفتوحة Open Market Operations لشراء وبيع الأوراق المالية من البنوك الأعضاء. وسوف نتناول هذه النقطة تفصيلًا فيما بعد.
  • ثالثًا: التحكم في أسعار الفائدة Interest Rates، أي الفائدة على الإقراض بينه وبين البنوك وبين هذه البنوك وبعضها. وهذا الأمر من شأنه تنظيم معدلات القروض والرهون العقارية والسندات.

أنواع السياسات النقدية

وفي سياق الحديث عن أسعار الفائدة، فمن خلال إقرار أسعار الفائدة، يتبنى البنك المركزي إحدى سياستين:

  • السياسة النقدية الانكماشية Contractionary Monetary Policy: ومن خلالها يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة، الأمر الذي من شأنه أن يُساعد على إبطاء النمو الاقتصادي، غير أنه يُساعد أيضًا على كبح التضخم.
  • السياسة النقدية التوسعية Expansionary Monetary Policy: وفيها يقوم البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة. هذا الأمر يُساعد على تحفيز النمو الاقتصادي، وتجنب الركود Recession.

وهنا يجب ملاحظة أن مبالغة البنك المركزي في تحفيز النمو –من خلال اتباع السياسة النقدية التوسعية- قد يؤدي إلى التضخم. مع العلم أن التضخم هو العدو الأول لأي اقتصاد، لذا تعمل البنوك المركزية بكل طاقتها لتجنبه. السبب في ذلك هو أن التضخم يرفع أسعار السلع والخدمات على المستهلكين، ويزيد من تكاليف الشركات، ويعوق النمو الاقتصادي. ولهذا السبب يعمل البنك المركزي على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة قدر الإمكان لكبح التضخم.

وكثيرًا ما توجَّه الانتقادات اللاذعة للبنوك المركزية، من قبل السياسيين والعامة على حد سواء، بسبب سياساتها في إصلاح الاقتصاد. على سبيل المثال، قرر رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي بول فولكر Paul Volcker (1979 – 1987) رفع أسعار الفائدة بشكل كبير، ما أدى إلى مهاجمته وانتقاده. غير أن هذا الإجراء لم يكن سوى علاج للتضخم الجامح Runaway Inflation الذي ضرب الولايات المتحدة آنذاك. لذلك، غالبًا ما تكون إجراءات البنك المركزي غير مفهومة، مما يرفع مستوى الشك في توجهاته وقراراته.

وظائف البنك المركزي

مما سبق يتضح أن دائرة المهام الموكلة للبنك المركزي في إدارة الشأن الاقتصادي اتسعت بمرور الوقت. وفضلًا عن دوره في إصدار النقود، وإدارة السياسة النقدية، وكونه مقرض الملاذ الأخير، وضمان استقرار النظام المالي، اضطلع البنك المركزي بمسؤوليات ووظائف أخرى جعلته يمثل الجزء الأكثر أهمية في النظام المالي والاقتصادي لأي دولة. فيما يلي سنتعرف بشيء من التفصيل على أهم وظائف البنك المركزي:

1- بنك الإصدار Bank of Issue

البنك المركزي هو الجهة الوحيدة المسؤولة قانونيًّا عن إصدار الأوراق النقدية في كل دولة من دول العالم. وبطبيعة الحال، تكون هناك آليات قانونية تنظم عملية طباعة النقود، حيث يُعلن عن طباعة وإصدار الأوراق النقدية من قبل البنك المركزي كمناقصة قانونية غير محدودة.

السبب في قصر سلطة إصدار الأوراق النقدية على البنك المركزي هو ضمان اتساق العمل مع الحكومة، والتحكم الكامل في كمية النقود المطبوعة، والإشراف على توزيع هذه الكميات على المؤسسات الاقتصادية بما يتناسب مع العرض والطلب. وبهذه الطريقة ضمان عدم الإفراط في إصدار الأوراق النقدية من قبل البنوك الفردية الأخرى.

وبالتالي، فإن البنوك المركزية تنظم عملة البلد، وإجمالي المعروض النقدي Money-supply في الاقتصاد. ويتعين على البنك المركزي أيضًا الاحتفاظ بالذهب أو الفضة أو غيرها من الأوراق المالية غطاءً لهذه الأوراق النقدية الصادرة عنه. وهنا يجب ملاحظة أن نظام إصدار البنكنوت يختلف من بلد إلى آخر، ويتوقف ذلك على عدة عوامل، من بينها تحديد حجم البنكنوت المزمع إصداره بما يُغطيه من السندات الحكومية أو الذهب. أو إلزام البنك المركزي بالاحتفاظ برصيد من الذهب غطاءً لحجم البنكنوت الذي سيصدره.

وإجمالًا، هناك هدفان رئيسيان لتنظيم عمل البنك المركزي في إصدار الأوراق النقدية، هما:

  • الحفاظ على ثقة الناس في العملة المحلية.
  • تنظيم العرض والطلب. أي تعديل المعروض النقدي الصادر عن البنك المركزي حسب الطلب عليه.

من ذلك يتضح أن منح البنك المركزي مسؤولية إصدار الأوراق النقدية وتنظيمها ساعد بشكل كبير في سهولة تداولها، وأيضًا ضمان التوازن في المعروض النقدي.

2- بنك الحكومة ومستشارها المالي Agent and Adviser to the Government

يؤدي البنك المركزي في أي بلد مهمة على قدر كبير من الأهمية، إذ يعمل بصفته بنكًا ووكيلًا ومستشارًا ماليًّا للحكومة. يعمل البنك المركزي باعتباره بنكًا للحكومة، ليس فقط لأنه أكثر توافقًا مع السياسة الاقتصادية للحكومة، ولكن أيضًا بسبب العلاقة الوثيقة بين الشؤون النقدية والشؤون المالية العامة في الدولة. وبصفته بنكًا للحكومة، فإنه يسدد المدفوعات ويتلقاها نيابة عنها. كما يقدم قروضًا قصيرة الأجل للحكومة للتغلب على الصعوبات المالية التي قد تواجهها، أو في حالات الطوارئ والأزمات والحروب.

وبالإضافة إلى طرح القروض العامة وإدارة الديون نيابة عن الحكومة، يحتفظ البنك المركزي بالحسابات والأرصدة المصرفية للحكومة بعد إجراء المدفوعات والتحويلات. كما يتولى البنك المركزي إدارة احتياطيات الدولة من النقد الأجنبي والقيام بأعمال الرقابة على الصرف. وبصفته مستشارًا للحكومة، فإنه يقدم المشورة لها في جميع الأمور النقدية والاقتصادية. ويعمل البنك المركزي أيضًا وكيلًا للحكومة حيث تكون الرقابة العامة على الصرف سارية.

ويُقدم البنك المركزي خدماته الإدارية والاستشارية للحكومة مجانًا بدون أي مقابل، لكنه قد يتقاضى فائدة بسيطة تغطي نفقاته نظير ما يقدمه للحكومة من قروض وسُلف.

3- إدارة الاحتياطيات النقدية Custodian of Cash Reserves

تحتفظ جميع البنوك التجارية بجزء من أرصدتها النقدية ودائعَ لدى البنك المركزي، وقد يكون ذلك مجرد عُرف، وقد يكون إلزامًا قانونيًّا. إن احتفاظ البنوك باحتياطاتها النقدية لدى البنك المركزي جاء نتيجة لتطور تاريخي، إذ كانت البنوك قديمًا تحتفظ بما يفيض عن حاجاتها من الاحتياطيات النقدية لدى بنك الإصدار باعتباره موضع ثقة، وقد ترتب على ذلك حشد الأرصدة النقدية الموزعة بين خزائن البنوك في مجمع واحد (هو البنك المركزي)، الأمر الذي يعود بالفائدة على النظام المصرفي بشكل عام.

إن تركيز الاحتياطيات النقدية في البنك المركزي يُعد مصدر قوة كبيرة للنظام المصرفي في أي بلد؛ ذلك لأن الاحتياطيات النقدية المركزية يمكن أن تعمل على الأقل كأساس لهيكل ائتماني كبير وأكثر مرونة مما لو كانت هذه المبالغ مبعثرة بين البنوك الفردية. فعندما يجري تجميع احتياطيات البنوك في مؤسسة واحدة، فإنها تكون مسؤولة عن حماية المصلحة الاقتصادية الوطنية، ويمكن استخدام هذه الاحتياطيات بأفضل وأكثر الطرق فعالية خلال الأزمات المالية أو حالات الطوارئ العامة. كما أن مركزية الاحتياطيات النقدية تؤدي إلى الاقتصاد في استخدامها وزيادة مرونة وسيولة النظام المصرفي وهيكل الائتمان ككل.

وبذلك، تمكن البنك المركزي من مزاولة سلطاته في الرقابة على الائتمان. علمًا بأن للأرصدة النقدية التي تحتفظ بها البنوك لدى البنك المركزي صفة السيولة، تمامًا كالنقدية، إذ يقف البنك المركزي مستعدًا على الدوام للوفاء بأرصدة البنوك الأخرى الدائنة.

وفي المقابل، يقف البنك المركزي مستعدًّا على الدوام لمد يد العون للنظام الائتماني في حالات الضيق والتعسر المالي أو عند الضرورة، وذلك بوضعه ما يلزم من الأرصدة النقدية تحت تصرف البنوك التجارية أو غيرها من المؤسسات الائتمانية، سواءً أكان ذلك بتقديم القروض مباشرةً إليها، أو بإعادة خصم ما تقدمه إليها من أوراق تجارية مقبولة. ولهذه الأسباب يُطلق على البنك المركزي اسم “مقرض الملاذ الأخير للنظام الائتماني” Lender of Last Resort of credit structure، وهي تُعد من أهم الوظائف التي يؤديها.

4- إدارة الأرصدة الأجنبية Custodian of Foreign Balances

عندما تعمل الدولة وفقًا لمعيار الذهب، فإن البنك المركزي يتولى مهمة إدارة هذا المعيار (الاحتياطي من الذهب)؛ بهدف تأمين استقرار سعر الصرف.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، ظلت البنوك المركزية تحتفظ بالذهب والعملات الأجنبية غطاءً احتياطيًّا للأوراق النقدية، وأيضًا لمواجهة العجز في ميزان المدفوعات Balance of Payment مع البلدان الأخرى. لذلك، فمن أهم وظائف البنك المركزي الحفاظ على سعر الصرف الذي تحدده الحكومة، وإدارة مراقبة الصرف والقيود الأخرى التي تفرضها الدولة. وبالتالي، فإن البنوك المركزية اكتسبت صفة “الوصي” على احتياطيات الدولة من الذهب أو العملات الدولية أو الأرصدة الأجنبية.

5- مُقرض الملاذ الأخير Lender of Last Resort

البنك المركزي هو مقرض الملاذ الأخير؛ لأنه قادر على تقديم الأوراق النقدية بشكل عاجل للبنوك الأعضاء لتقوية احتياطاتها النقدية. ويكون ذلك عن طريق إعادة خصم فواتير الدرجة الأولى First Class Bills (أو الكمبيالات التجارية)، مع أحقية استرداد قيمة هذه الفواتير خلال مدة محددة (غالبًا 28 يومًا). هذا الأمر شائع في حال حدوث أزمات مالية قد تؤدي إلى حالة من الذعر تجاه البنوك، أو عندما تواجه البنوك ضغوطًا مالية ناتجة عن أحداث أو إجراءات غير متوقعة. كما يمكن للبنوك الأعضاء أن تأخذ سُلفًا على الأوراق المالية قصيرة الأجل المعتمدة من البنك المركزي لإضافتها إلى مواردها النقدية في غضون وقت قصير.

هذه التسهيلات في تحويل أصول البنوك إلى نقد في وقت قصير تحمل في طياتها فائدة كبيرة لهذه البنوك، وللاقتصاد بشكل عام، كما تُعزز من قوة النظام المصرفي ونظام الائتمان والسيولة النقدية. وبالتالي، فإن البنك المركزي، ومن خلال وظيفته مقرضَ الملاذ الأخير، يتحمل مسؤولية تلبية جميع طلبات البنوك التجارية. وهذا من شأنه أن يضمن العمل بتناغم في أوقات الصعوبات المالية والضغوط الاقتصادية. هذا يعني، بحسب آراء كثير من خبراء الاقتصاد، أن البنك المركزي يمتلك السيولة الكافية لتغطية الهيكل الائتماني للدولة، وهذا هو الواجب الأساسي للبنك المركزي بصفته مقرضَ الملاذ الأخير، أي سَدّ النقص في السيولة لدى البنوك الأخرى، ما من شأنه تعزيز الاقتصاد وإنقاذه في أوقات الأزمات.

6- البنك المركزي هو غرفة للمقاصة Clearing House

يعمل البنك المركزي أيضًا كغرفة مقاصة لتسوية حسابات ومعاملات البنوك التجارية. غرفة المقاصة عبارة عن مكتب أو لجنة تابعة للبنك المركزي، يجري من خلالها تسوية وموازنة المطالبات المتبادلة للبنوك على بعضها البعض. وتتم التسوية عن طريق دفع فرق استحقاقات البنوك على بعضها. يحتفظ البنك المركزي، باعتباره بنك البنوك، بالأرصدة النقدية للبنوك التجارية، وبالتالي يصبح من السهل على البنوك الأعضاء تعديل أو تسوية مطالباتها ضد بعضها من خلاله. وهكذا فإن غرفة المقاصة تُغني البنوك عن عملية نقل الأموال فيما بينها مع كل معاملة مالية، بحيث تكتفي بنقل الصافي حتى تتم تسوية المراكز المالية للبنوك.

ويمكن تسوية الشيكات والحوالات المالية بين البنوك من خلال غرفة المقاصة، حيث يجتمع مندوب عن كل بنك، تحت إشراف البنك المركزي، من أجل تسوية الحسابات بين هذه البنوك، وذلك من خلال وضع الرصيد الدائن والمدين لكل بنك، والوصول إلى المبلغ الصافي المتوجب على كل بنك دفعه أو قبضه حتى يتم توازن الأرصدة بين الجميع.

7- حماية مصالح المودعين Protection of Depositors Interests

يتعين على البنك المركزي الإشراف على عمل البنوك التجارية بما يضمن حماية مصالح المودعين. وكذلك عليه مراقبة عمل البنوك وضمان تطوير العمل المصرفي وإتباع إجراءات سليمة. لذلك، ومن منطلق اعتبار البنوك تقدم خدمات عامة، فإن الأمر يتطلب ضمانات تشريعية تحول دون فشل البنوك في تأدية واجباتها.

وقد سَنَّت معظم دول العالم التشريعات التي من شأنها تمكين البنوك المركزية من مراقبة البنوك التجارية والتفتيش عليها لضمان أموال ومصالح المودعين من ناحية، وضمان السير على نظام مصرفي سليم من ناحية أخرى. ويقوم البنك المركزي بهذه الوظيفة من خلال مراقبة كل إجراءات البنوك وحساباتها بشكل منتظم، وكذلك مراقبة الهيكل الإداري لكل بنك، والتأكد من أنه يتألف من وحدات فردية قوية ذات موارد مالية كافية تعمل تحت إدارة مناسبة بما يتوافق مع القوانين واللوائح المصرفية والمصالح العامة والوطنية.

8- تنظيم الائتمان وتوجيهه Controller of Credit

تُعد عملية تنظيم الائتمان من أهم وظائف البنك المركزي وأكثرها حساسية؛ إذ تُخوله مهمة مراقبة أو تعديل ائتمانات البنوك التجارية، بحيث يُديرها بطريقة تضمن تجنب التضخم. سبب ذلك هو أن التوسع في عمليات الاستثمار والإقراض من قبل البنوك التجارية قد يؤدي إلى كثير من التقلبات في المعروض النقدي، والتي تؤثر بدورها على القوة الشرائية للعملة، وعلى النشاط الاقتصادي بشكل عام. لذلك تكون هناك حاجة مُلحة إلى مراقبة الائتمان وتنظيمه وعدم ترك البنوك تمارس نشاطها من دون رقابة. وهنا يجب ملاحظة حقيقة مهمة، وهي أن المعروض النقدي والائتمان يلعبان دورًا مهمًّا في تحديد مستوى الدخل والتوظيف والإنتاج.

ووفقًا لكثير من الاقتصاديين، فإن التحكم في مراقبة الائتمان وتنظيمه وتعديله يُعد بمنزلة الوظيفة الرئيسية للبنك المركزي. فهي الوظيفة التي تشمل أهم الأسئلة المتعلقة بسياسة البنك المركزي، والتي يتم من خلالها توحيد جميع الوظائف الأخرى –عمليًّا- وتوجيهها لتخدم غرضًا مشتركًا. وبسبب سيطرة البنك المركزي على إيداعات البنوك التجارية، أُطلق عليه “مُراقب الائتمان” Controller of Credit.

وسائل البنك المركزي في تنظيم الائتمان

يستخدم البنك المركزي وسائل مختلفة لتنظيم الائتمان، وتنقسم هذه الوسائل إلى نوعين رئيسيين:

النوع الأول: الوسائل الكمية أو العامة Quantitative or General Methods

ويشتمل هذا النوع على ثلاث وسائل، هي:

  • عمليات السوق المفتوحة

عمليات السوق المفتوحة Open Market Operations تعني قيام البنك المركزي بشراء وبيع السندات الحكومية Government Bonds أو أذونات الخزانة Treasury Bills في سوق المال المفتوحة. الهدف من ذلك هو تحويل هذه السندات والأذون إلى أصول نقدية وضخ السيولة أو امتصاصها، وبالتالي تنظيم المعروض النقدي الموجود في احتياطيات البنوك الأخرى. ويتوقف نشاط البنك المركزي في شراء أو بيع السندات على السياسة النقدية التي يتبعها، بحيث:

  • إذا قرر البنك المركزي زيادة حجم المعروض النقدي في الأسواق، فإنه يعمد إلى شراء الأوراق المالية والسندات الحكومية. ويطلق على ذلك السياسة النقدية التوسعية، ويتبعها البنك المركزي في حالات الانكماش والركود الاقتصادي.
  • وفي حال قرر البنك المركزي تقليص حجم المعروض النقدي في الأسواق، فإنه يبيع هذه الأوراق المالية والسندات الحكومية. ويطلق على ذلك السياسة النقدية الانكماشية، ويتبعها البنك المركزي في حالات التضخم الاقتصادي.

وهنا يجب مراعاة أن نجاح هذه الوسيلة في تنظيم الائتمان يتوقف على وجود سوق مالية متقدمة وفعالة. ففي بعض البلدان النامية لا توجد أسواق مالية، وإن وجدت فإنها غالبًا ما تكون غير مُهيأة لاستيعاب هذه الإجراءات، ومن ثم لا يمكن الاعتماد عليها في مراقبة أو تنظيم الائتمان بهذه الكيفية التي تم ذكرها.

  • نسب الاحتياطي المتغيرة

تُشير نسب الاحتياطي المتغيرة Variable Reserve Ratios إلى تلك النسبة من الودائع المصرفية التي يتعين على البنوك التجارية الاحتفاظ بها في شكل نقد لضمان السيولة للائتمان.

  • يؤدي ارتفاع نسبة الاحتياطي النقدي إلى انخفاض قيمة مضاعف الودائع Deposit Multiplier.
  • على العكس من ذلك، يؤدي الانخفاض في نسبة الاحتياطي النقدي إلى ارتفاع قيمة مضاعف الودائع.

وبناءً على ذلك، فإن الانخفاض في قيمة مضاعف الودائع يؤدي إلى انكماش في توافر الائتمان. وبالتالي قد يكون بمنزلة إجراء مضاد للتضخم. ومن ناحية أخرى، فإن ارتفاع قيمة مضاعف الودائع يُشير إلى أن البنوك التجارية تخلق المزيد من الائتمان، وتوفر المزيد من التمويل لنفقات الاستهلاك والاستثمار. وبالتالي قد يعمل الانخفاض في نسب الاحتياطي كطريقة لمكافحة الانكماش.

  • التأثير والإقناع

يُعد التأثير والإقناع من بين الأساليب التي تتبعها البنوك المركزية لمراقبة وتنظيم الائتمان. ومع ذلك، يتوقف نجاح هذه الطريق على مدى قوة البنك المركزي وقدرته في التأثير على البنوك التجارية التابعة له.

وغالبًا ما يستخدم البنك المركزي الإقناع أو الإلزام الأدبي للوصول إلى أهدافه بدلًا من الإجبار، وذلك بأن يتبادل الرأي -بشكل غير رسمي- مع القائمين على البنوك، وأن يدفعهم لانتهاج السياسة التي يراها مناسبة للظروف الاقتصادية السائدة.

النوع الثاني: الوسائل الكيفية أو النوعية Qualitative or Selective Methods

تسمى الأساليب التي يستخدمها البنك المركزي لتنظيم تدفقات الائتمان في اتجاهات معينة للاقتصاد بالطرق النوعية أو الكيفية للتحكم في الائتمان. وعلى عكس الأساليب الكمية، التي تؤثر على الحجم الإجمالي للائتمان، فإن الأساليب النوعية تؤثر على أنواع الائتمان التي تقدمها البنوك التجارية؛ كما تؤثر على آليات الائتمان بدلًا من حجمه في الاقتصاد.

وتشتمل الأساليب النوعية التي يتبعها البنك المركزي في مراقبة وتنظيم الائتمان على عدة إجراءات، من أبرزها:

  • متطلبات الهامش Marginal Requirements.
  • تنظيم الائتمان الاستهلاكي Regulation of Consumer Credit.
  • الرقابة من خلال التوجيهات Control Through Directives.
  • ترشيد الائتمان Credit Rationing.
  • الإجراءات المباشرة Direct Action.

من ذلك يتضح تعدد الوسائل الكيفية لتنظيم الائتمان ومراقبته، وهي عادة تقوم على التمييز في تكاليف الائتمان وإمكانيات الحصول عليه لمختلف الأغراض، ويدخل في عِداد هذه الوسائل سياسة الخصم وتحديد الضمانات وتحديد أنواع القروض والاستثمارات غير المرغوبة والحد الأقصى لمختلف أنواع القروض

الخلاصة

  • البنك المركزي: مؤسسة اقتصادية ذات سلطة وطنية مُستقلة. وهو المسؤول الأول عن تحقيق النمو الاقتصادي للدولة من خلال: إدارة السياسة النقدية، وتنظيم البنوك والائتمان، وتوفير الخدمات المالية للدولة، وإجراء البحوث الاقتصادية.
  • الأهداف الرئيسية للبنك المركزي في:
    • العمل على ضبط واستقرار العملة المحلية.
    • الحفاظ على معدلات بطالة منخفضة.
    • كبح التضخم.
  • يتألف مجلس إدارة البنك المركزي من البنوك الوطنية الخاضعة لسلطته. ويعين رئيس الدولة رئيس مجلس إدارته، وهو محافظ البنك المركزي.
  • يعود إنشاء أول بنك مركزي في التاريخ إلى عام 1668، وهو ريكسبانك Riksbank السويدي. وبعده تم إنشاء بنك إنجلترا المركزي عام 1694.
  • أُنشأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عام 1913، وقد مُنح صلاحيات واسعة في إدارة الشأن الاقتصادي، داخليًّا وخارجيًّا.
  • أدوات السياسة النقدية للبنك المركزي
    • أولًا؛ تحديد حجم الاحتياطي النقدي لدى البنوك المحلية.
    • ثانيًا؛ استخدام عمليات السوق المفتوحة لشراء وبيع الأوراق المالية من البنوك الأعضاء.
    • ثالثًا؛ التحكم في أسعار الفائدة، أي الفائدة على الإقراض بينه وبين البنوك، وبين هذه البنوك وبعضها.
  • من خلال إقرار أسعار الفائدة، يتبنى البنك المركزي إحدى سياستين:
    • السياسة النقدية الانكماشية: ومن خلالها يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة، الأمر الذي من شأنه أن يُساعد على إبطاء النمو الاقتصادي، غير أنه يُساعد أيضًا على كبح التضخم.
    • السياسة النقدية التوسعية: وفيها يخفض البنك المركزي أسعار الفائدة. هذا الأمر يُساعد على تحفيز النمو الاقتصادي، وتجنب الركود.
  • وظائف البنك المركزي
    1. البنك المركزي هو بنك إصدار الأوراق النقدية.
    2. بنك الحكومة ومستشارها المالي.
    3. إدارة الاحتياطيات النقدية.
    4. إدارة الأرصدة الأجنبية.
    5. مُقرض الملاذ الأخير.
    6. غرفة للمقاصة بين البنوك التابعة له.
    7. حماية مصالح المودعين.
    8. تنظيم الائتمان وتوجيهه، ويقوم بذلك من خلال نوعين من الوسائل:
      • الوسائل الكمية أو العامة، وتشمل:
        • عمليات السوق المفتوحة.
        • نسب الاحتياطي المتغيرة.
        • التأثير والإقناع.
      • الوسائل الكيفية أو النوعية.